يفتح حي الطريف أبوابه في الخامسة مساءً ويغلقها عند منتصف الليل.
ليس هذا اختياراً جمالياً ولا رغبة في الإضاءة الليلية. إنه الحرارة. الطين والحجر الجيري اللذان بُني منهما الحي يخزّنان حرارة النهار، ولا يصبح المشي بينهما محتملاً إلا بعد أن تنكسر الشمس.
وهذا التفصيل الصغير يلخّص الدرعية كلها: مكان يعمل بمنطق مادته، لا بمنطق الإعلان عنه.
أربعة قرون قبل أن يصبح المكان مشروعاً
أُسّست الدرعية عام 1446 على يد الأمير مانع المريدي. وبعد نحو ثلاثة قرون، في عام 1727، أعلن الإمام محمد بن سعود قيام الدولة السعودية الأولى واتخذها عاصمة.
عاشت تلك الدولة أربعة وتسعين عاماً.
ثم جاءت الحملة التي أنهت تلك المرحلة. بدأت عام 1811 بأمر والي مصر محمد علي باشا، وتعثّر طورها الأول بقيادة ابنه طوسون. وفي عام 1816 قاد إبراهيم باشا حملة أوسع انتهت بحصار الدرعية نحو سبعة أشهر، وسلّم الإمام عبدالله بن سعود المدينة عام 1818 حقناً لدماء أهلها. ثم نُقل إلى إسطنبول حيث أُعدم في العام التالي.
خرجت المدينة من ذلك خراباً، وتعرّضت لموجة تخريب ثانية عام 1821، ثم هُجر أكثرها.
ما تمشي فيه الليلة هو ما بقي بعد ذلك، وما أُعيد ترميمه بعد قرنين.
الطريف: ما الذي تنظر إليه فعلاً
أُدرج حي الطريف على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2010، على مساحة 28.78 هكتاراً، بوصفه شاهداً على «الطراز المعماري النجدي الخاص بوسط شبه الجزيرة العربية».
وفي التفاصيل التي تصفه بها الوثائق الأممية ما يستحق أن يُنظر إليه عن قرب: أساسات من الحجر الجيري، وجدران من الطين المضغوط بسماكة تحفظ برودة الداخل، وأخشاب نخيل، وطلاء طيني، وأعمدة حجرية — وفتحات مثلثة في أعالي الجدران، وعتبات خشبية مرسومة بزخارف هندسية.
الفتحات المثلثة تحديداً هي ما ستراه في كل صورة من الطريف دون أن تنتبه إلى أنك تراه.
وأكبر ما في الحي قصر سلوى، مقر الحكم، على نحو عشرة آلاف متر مربع في سبع وحدات متصلة بُنيت على مراحل. وإلى جانبه قصور إبراهيم بن سعود وعبدالله وتركي وعمر بن سعود وفرحان.
وداخل الحي ستة متاحف، من بينها متحف الدرعية ومتحف الخيل العربي ومتحف العمارة التقليدية.
وثمة تفصيل قلّما يُذكر: حين نظرت لجنة «إيكوموس» الاستشارية في ملف الترشيح عام 2010، أوصت بتأجيل الإدراج لا بقبوله، ورأت أن سلامة العمارة وأصالتها «مهددتان اليوم» وتحتاجان إلى إجراء عاجل يقدّم الحفاظ على المتحفة. أدرجته اللجنة في العام نفسه على أي حال.
البجيري، والمائدة التي جاءت قبل الفنادق
فُتح حي الطريف للجمهور في الرابع من ديسمبر 2022، وفُتح معه بوليفارد البجيري في اليوم نفسه.
يضم البجيري اليوم اثنين وعشرين مطعماً ومقهى، ويعمل من التاسعة صباحاً حتى الثالثة فجراً. واستقبل في عام 2023 وحده أكثر من مليون زيارة برضا بلغ 92%.
وحين أطلق دليل ميشلان أول اختيار له في السعودية — واحتُفل به في الخامس عشر من ديسمبر 2025 — كان ثلاثة من مطاعم البجيري ضمن المختارين: Long Chim وتكية وVilla Mamas.
ودقة تستحق التسجيل: هذه مطاعم مختارة في الدليل، لا حاصلة على نجمة. الفرق ليس شكلياً، وسيتكرر خطأً في كل ما يُكتب عن الدرعية هذا الموسم.
اقرأ أيضاً: مطاعم الرياض الفاخرة
وأما الفنادق، فواحد
هذه هي الجملة التي يجب أن تُقال بوضوح، لأن كل ما عداها مكتوب بصيغة المستقبل.
فندق واحد مفتوح في الدرعية اليوم: باب سمحان، ضمن مجموعة The Luxury Collection من ماريوت، افتُتح في السابع والعشرين من ديسمبر 2024، بمائة وأربع وثلاثين غرفة تشمل ثلاثة وعشرين جناحاً. واختارته مجلة تايم ضمن أعظم أماكن العالم لعام 2026.
وما عدا ذلك — ريتز كارلتون، وأرماني، وروزوود، ورافلز، وأورينت إكسبريس، وباكارات، وفور سيزونز، وأمان، وسِكس سنسز، ووالدورف أستوريا، وأكثر من عشرين اسماً آخر — أُعلن أو وُقّعت عقوده أو بدأ حفر أساساته. ولم يفتح أيٌّ منها.
سبعة فنادق وُضع حجر أساسها في نوفمبر 2024 بطاقة 877 غرفة. ومعظم ما يُنشر عن مواعيدها يشير إلى 2027 فما بعد.
وموعد اكتمال المشروع نفسه انتقل من 2027 إلى 2030.
هذا ليس انتقاداً؛ هذه مدينة تُبنى، والبناء يأخذ وقته. لكن من يخطط لرحلة هذا الشتاء يحتاج أن يعرف أن «فنادق الدرعية» عبارة بصيغة الجمع لا يسندها الواقع بعد.
كيف تُبنى، وهو أطرف ما في المشروع
العمارة النجدية في الدرعية ليست خياراً أسلوبياً بل إطاراً حاكماً. المباني منخفضة، والمواد مشتقة محلياً، والشوارع تتبع أنماطاً عضوية تشبه ما كان.
والأهم: السطح خالٍ من السيارات إلى حد بعيد. المواقف والخدمات والإمداد كلها تحت الأرض — 1,700 موقف في خمسة طوابق سفلية تحت سمحان وحدها، و1,400 تحت زلال. وممرات مظللة ضيقة وممرات هواء مصممة داخل نسيج الشارع، ونحو ستة ملايين ونصف من الشتلات والأشجار لخفض الحرارة، ومحطة تبريد مركزي بطاقة 72,500 طن تبريد.
ونالت الدرعية شهادة LEED البلاتينية للمدن في أغسطس 2023، وهي الأولى إقليمياً.
وحين افتُتح المشروع رسمياً، وضع الملك سلمان أول لبنة طينية فيه بيده.
عملياً، قبل أن تذهب
الدرعية على بعد نحو عشرين كيلومتراً شمال غرب وسط الرياض، على وادي حنيفة.
حي الطريف يفتح يومياً من الخامسة مساءً حتى منتصف الليل، وآخر دخول في الحادية عشرة. الجولة المصحوبة بمرشد نحو خمس وأربعين دقيقة، والزيارة الحرة بين ساعتين وثلاث. والمسارات مهيأة للكراسي المتحركة.
والدخول إلى الطريف مجاني من الأول من مايو حتى الثلاثين من سبتمبر — أي أنه مجاني الآن، وحتى نهاية الشهر المقبل.
ومواقف البجيري بعشرة ريالات للساعة، ومواقف سمحان بثلاثين ريالاً لثلاث ساعات ثم عشرة لكل ساعة، وخدمة صف السيارات بمائة وخمسة وتسعين — وهي مجانية حتى نهاية سبتمبر مع إنفاق مائة وخمسين ريالاً في مطاعم البجيري أو زلال.
وأفضل موسم للزيارة من أكتوبر إلى مارس. أما الآن فالمساء وحده.
ما الذي يستحق الانتظار
استقبلت الدرعية 3.6 مليون زيارة حتى منتصف 2025. وهدفها المعلن خمسون مليون زيارة سنوياً بحلول 2030.
وبين الرقمين دار أوبرا الدرعية الملكية، التي رست عقود بنائها في أبريل 2025 بقيمة 1.4 مليار دولار، من تصميم استوديو سنوهيتا النرويجي، وستضم 3,100 مقعد بينها مسرح أوبرا رئيسي بألفي مقعد — الأكبر في السعودية. ولا موعد افتتاح منشوراً حتى الآن.
ورأيي أن أفضل ما في الدرعية اليوم ليس ما سيُفتتح، بل ما هو مفتوح فعلاً: حيٌّ طينيٌّ عمره ستة قرون، تمشي فيه بعد الغروب، وتقرأ على جدرانه فتحات مثلثة وضعها بنّاء نجدي ليمرّ منها الهواء لا ليُعجب أحداً.
الباقي سيأتي. وهذا موجود الآن، ومجاناً حتى نهاية سبتمبر.
رُوجعت التفاصيل الواردة هنا على المواد المنشورة من الجهات المعنية نفسها، 17 أغسطس 2026.
مصدر الصورة الرئيسية: xiquinhosilva — CC BY 2.0



