يُقال إن القهوة المختصة هي التي تتجاوز ثمانين نقطة. ويُقال إنها التي تُحمَّص فاتحةً. ويُقال إنها التي تُقدَّم في أكواب صغيرة بأسعار كبيرة.
واحدة من هذه الثلاث كانت تعريفاً رسمياً ذات يوم، ثم توقفت عن أن تكون كذلك قبل خمس سنوات، ولا تزال تُكتب في المقالات العربية كأن شيئاً لم يحدث.
ثمانون نقطة.
والرقم صحيح تاريخياً. كان لسنوات طويلة هو الخط الفاصل: ما تجاوز الثمانين على استمارة التذوّق دخل خانة المختصة، وما نزل عنها ذهب إلى القهوة التجارية. وقد خدم ذلك الصناعة في زمنه، لأنه أعطاها لغةً مشتركة ورقماً يمكن التفاوض عليه عبر القارات.
ثم تجاوزته الصناعة مرتين: مرة في التعريف، ومرة في الأداة التي كانت تنتجه.

المصدر: Rpdecamps — CC BY 3.0
ما الذي تغيّر في التعريف
في عام 2021 غيّرت جمعية القهوة المختصة (SCA) تعريفها تغييراً جوهرياً: لم يعد التعريف رقماً على مقياس، بل صار قائماً على الخصائص والقيمة — أي على ما تحمله القهوة من صفات مميزة، وما تعنيه تلك الصفات لمن يشتريها.
ثم جاءت الخطوة الأبعد أثراً في الخامس من نوفمبر 2024، حين حلّت معايير SCA-102 وSCA-103 وSCA-104 لعام 2024 محل استمارة التذوّق التي ظلت الصناعة تستعملها منذ 2004. والنظام الجديد، المعروف باسم تقييم قيمة القهوة (Coffee Value Assessment)، يفصل ما كان مدموجاً: التقييم الوصفي في جهة، والتقييم الانطباعي في جهة أخرى، ويُسجَّل كل منهما على حدة. ويقوم التقييم الانطباعي على مقياس من تسع درجات. أما عيوب الكوب المعترف بها فثلاثة لا رابع لها: العفن، والفينول، والبطاطس.
والفرق بين التقييمين ليس لغوياً. الوصفي يسجّل ما في الكوب كما هو: شدّة الحموضة ونوعها، والحلاوة، والقوام، دون حكم عليها. والانطباعي يسجّل التفضيل: هل تعمل هذه الحموضة في هذا الكوب. وحين كان الاثنان مدموجين في استمارة واحدة، كان الرقم الخارج منها يحمل الأمرين معاً دون أن يفصح عن نصيب كل منهما.
والفارق ليس إدارياً. الرقم يجعل السؤال الوحيد المشروع هو ما الذي أعطاه المذوّق؛ أما الخصائص والقيمة فتنقلان السؤال إلى ما في هذه القهوة تحديداً، ولمن تساوي شيئاً.
شجرة في جبال جازان، وطقس على الطاولة
في عام 2022 أدرجت اليونسكو على قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي ملفاً باسم «المعارف والممارسات المتعلقة بزراعة حبوب البن الخولاني»، بترشيح من السعودية وحدها، في الدورة السابعة عشرة للجنة، تحت رقم 01863. وتتجاوز الممارسة هناك ثلاثمئة عام.
وفي تقشير الحبّة تفصيل يستحق الوقوف عنده: تُقشَّر بمطحنة حجرية مسطّحة مع حجر أسطواني، والغرض من هذا الشكل تحديداً ألا تنكسر الحبّة.
ويخلط كثير من المحتوى العربي بين هذا الملف وملف آخر مختلف تماماً. فـ«القهوة العربية» أُدرجت عام 2015 بترشيح مشترك من الإمارات والسعودية وعُمان وقطر، ثم وُسّع ملفها عام 2024 لينضم إليه الأردن، تحت رقم 02111. الأول عن زراعة شجرة في الجبال، والثاني عن طقس ضيافة على الطاولة، ولا يصحّ أن يحلّ أحدهما محل الآخر.
وبين الملفين فارق يستحق الانتباه: الأول يعترف بزراعة، والثاني يعترف بضيافة. والمملكة وحدها هي التي حملت الأول باسمها.
وفي الحادي والثلاثين من يناير 2022 اعتمدت وزارة الثقافة ووزارة التجارة استبدال تسمية «القهوة العربية» بـ«القهوة السعودية» في المنشآت داخل المملكة.
اقرأ أيضاً: أفضل ماكينة قهوة لصنع قهوتك الصباحية
الاعتراف شيء، والكوب شيء آخر
إدراج تراث في قائمة عالمية لا يقول شيئاً عن الطعم. فهل تصمد هذه الحبوب في الكوب كما صمدت في الملف؟
في الرابع من مارس 2025 نشرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة نتائج تقييم لأحد عشر طرازاً وراثياً سعودياً، من ثماني مزارع في جازان وعسير والباحة، تولّاه أربعة مذوّقين حاصلين على شهادة Q Grader من معهد جودة القهوة، وفق بروتوكول SCA. تجاوز معظمها ثمانين نقطة، وبلغ بعضها خمساً وثمانين. أما الأوصاف المسجّلة فكانت المانجو والأناناس والتوابل والتوت والشوكولاتة.
وهذه أرقام مقيسة بالمقياس نفسه الذي صار التعريف يتجاوزه، وهي مع ذلك أقوى دليل متاح، لأنها الوحيدة الصادرة عن طرف ثالث بمنهجية معلنة.
ما الذي اشترته الدولة
في الخامس عشر من مايو 2022 أطلق صندوق الاستثمارات العامة الشركة السعودية للقهوة، باستثمار قدره 1.2 مليار ريال على عشر سنوات، وهدف معلن يرفع الإنتاج من ثلاثمئة طن سنوياً إلى ألفين وخمسمئة. وكانت الشركة عند إطلاقها تعمل على نحو أربعمئة ألف شجرة موزعة على جازان والباحة وعسير. وفي الثامن من مايو 2024 صدر ترخيص مصنعها في جازان على مساحة ثلاثين ألف متر مربع.
وفي محافظة الدائر وحدها ارتفع عدد الأشجار من 60,736 شجرة في 2013 إلى أكثر من أربعمئة ألف في 2025.
والزراعة المحلية في هذه المرتفعات صغيرة الحجم بطبيعتها: مدرَّجات جبلية ومزارع عائلية، لا مساحات صناعية.
أين ينتهي هذا السوق من أعلاه
في 2025 سجّل مزاد Best of Panama رقماً قياسياً: 30,204 دولارات للكيلوغرام الواحد، لقهوة Gesha مغسولة من مزرعة Hacienda La Esmeralda نالت ثماني وتسعين نقطة، فبلغ ثمن العشرين كيلوغراماً نحو 605,000 دولار.
والمشتري لم يكن في طوكيو ولا في أوسلو. كان في دبي: محمصة Julith Coffee.
حيث تخالف الأرقام ما يُقال في المقاهي

المصدر: Matthias Süßen — CC BY 3.0
قاست دراسة نُشرت في Coffee Science عام 2023 أثر المعالجة اللاهوائية، فارتفع تقييم الكوب من 82.50 إلى 87.38 نقطة، بينما انخفض المردود المادي من 71.17% إلى 45.70%. أي أن ما يقارب نصف المحصول يُدفع ثمناً لخمس نقاط تقريباً.
وراجعت دراسة تجميعية نُشرت في Beverages عام 2020 ما يُظَن أنه بديهي في التحميص، فوجدت أن زمن التطوّر أهم من لون التحميص، وأن القوام لا يتأثر بدرجة التحميص أصلاً — وهي نتيجة تناقض ما يتداوله كثير من المحمّصين.
البن الذي يُزرع، والبن الذي يُشرب
تقدّر الجمعية السعودية للمطاعم والمقاهي الاستهلاك المحلي بستة وثلاثين مليون كوب يومياً، مقابل واحد وستين ألف رخصة مقهى، وحجم سوق يتراوح بين 1.3 و1.9 مليار دولار. وهذه تقديرات الجمعية نفسها، ولم تنشر لها منهجية.
أما ما يدخل البلاد فموثّق على نحو أفضل: ارتفعت واردات المملكة من القهوة من 3,740 طناً في 1961 إلى 101,318 طناً في 2021، وفق دراسة نُشرت في Frontiers in Sustainable Food Systems في 20 مارس 2025. وتستحوذ إثيوبيا وحدها على نحو 75% من إنفاق المملكة على البن الأخضر، بما يقارب 20,123 طناً سنوياً.
أي أن ما يُشرب في المنطقة مستورَد في أغلبه، وما يُزرع فيها نادر بطبيعته — والمسافة بين الاثنين هي ما يجعل الخولاني ثميناً.
وليست هذه المسافة عيباً في ذاتها، فلا بلد يزرع كل ما يشرب. لكنها تشرح لماذا يبدو الاستثمار في جازان أكبر بكثير من حجم ما يُنتَج هناك اليوم: المشروع لا ينافس إثيوبيا على الكمية، بل يبني اسم منشأ.
وفي الخامس عشر من يونيو 2026، ضمن جوائز Global Coffee Awards لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فازت محمصة Woods في الخبر باللقب العام للمنطقة، ونالت Brew 92 في جدة ذهبية الإسبريسو، ونالت Kohi في جدة ذهبية الفلتر بمعالجة العسل.
إذا كنت ستشتري كيساً واحداً
الكيس الجيد يخبرك أشياء، والكيس الرديء يخبرك أنه «مختص» ثم يصمت.
ابحث عن أربعة أشياء مكتوبة صراحةً: بلد المنشأ والمزرعة أو محطة المعالجة، وطريقة المعالجة، وتاريخ التحميص لا تاريخ انتهاء الصلاحية، والطراز الوراثي إن وُجد. وغياب تاريخ التحميص وحده سبب كافٍ لترك الكيس في مكانه.
وإن رأيت رقماً مطبوعاً على الكيس، 86 أو 88، فاعلم أنك تنظر إلى نتيجة مقياس لم يعد هو التعريف. الرقم ليس كذباً، لكنه لم يعد الجواب.
واسأل عن موسم الحصاد لا عن سنة التحميص وحدها. القهوة محصول زراعي، ومحصول العام الماضي ليس محصول هذا العام حتى لو خرج من المحمصة أمس.
أما اختياري؟ حبوب خولانية من موسم قريب بمعالجة مغسولة.
وهذا رأي لا حقيقة. سببه أن المعالجة المغسولة تُظهر الفرق بين الطراز الوراثي والأرض دون أن تغطيه بطبقة من نكهات التخمير، وأن الأوصاف التي سجّلها مذوّقو الفاو لهذه الحبوب تستحق أن تُسمع بلا وسيط.
وليس كل ما نشربه مطالباً بأن يُسجَّل في استمارة. بعضه يكفي أن يكون صباحاً جيداً.
التعريف الذي لحق بالقهوة
قبل عشرين عاماً احتاجت الصناعة إلى رقم يفصل الجيد عن الرديء، فصنعت استمارةً ومقياساً وثمانين نقطة، وخدمها ذلك طويلاً.
وهكذا استقرت القهوة المختصة أخيراً على تعريف يشبه ما تفعله فعلاً — وصفٌ لما في الكوب، وحكمٌ على ما يساويه لمن يشربه — بينما بقيت الثمانون نقطة تعيش في المقالات وحدها.
رُوجعت التفاصيل الواردة هنا على المواد المنشورة من الجهات المعنية نفسها، 17 أغسطس 2026.
مصدر الصورة الرئيسية: Liné1 — CC BY 2.5



